*السنية السياسية في لبنان: من انسحاب الحريري إلى حصار المقاومة*

عاجل

الفئة

shadow


   *أحمد الشهال*
في مشهدٍ يشبه التصفية السياسية الهادئة، انسحب الرئيس سعد الحريري من الحياة العامة،تاركاً خلفه تيار المستقبل بلا مستقبل، وشارعاً سنياً مشرذماً،
يتساءل اليوم: من سلّمنا؟ ولمن؟ وبأي حق؟
أُقفلت مكاتب تيار المستقبل، صُرف الموظفون، توقفت جريدة "المستقبل" وتلفزيونها، وأُعلنت نهاية "سعودي أوجيه"،
ليتوَّج هذا الانسحاب بإقفال "بيت الوسط"، الرمز السياسي والرمزي لقيادة الطائفة السنية. كل ذلك من دون إعلان انتقال منظَّم أو تفويض سياسي واضح. لا وصيّة، لا بديل، لا مشروع. كأنّ كل شيء انتهى بجرة صمت. 
*الفراغ لا يملأ نفسه* 
منذ قرار سعد الحريري تعليق العمل السياسي عام 2022، تعيش السنية السياسية حالة ضياع غير مسبوقة: لا قيادة، لا مشروع، لا موقف.
بدا الأمر وكأنه خروج منظَّم من أعلى، دون أي اعتبار لما تحته. الأدوات السياسية والإعلامية التي شكّلت واجهة "السنّة" لعقود تلاشت، فيما الساحة باتت مكشوفة وقابلة للاختراق.
الكرسي السني الأول شاغر.
والسؤال لم يعد: من سيملأه؟ بل: من سمح بأن يُترك شاغراً؟ ومن يدير الخيوط من الخلف؟
وهنا تبرز حقيقة مرّة: أخطر ما يُحاك للبنان والمنطقة هو تصفية "السنية السياسية" عبر رمزها الأبرز سعد الحريري.
لا بوصفه فرداً، بل باعتباره عنواناً لتحييد طائفة عن دورها الوطني والسياسي، واستبدالها بدور وظيفي مسيّر من الخارج. 
*السفير البخاري: من الوسيط إلى الوصي؟* 
ما يزيد قتامة المشهد هو الدور المباشر للسفير السعودي وليد البخاري، الذي تجاوز دوره الدبلوماسي إلى التدخل التفصيلي في هندسة الواقع السني. 
فالساحة التي كانت تُدار يوماً من بيت الوسط، باتت تُدار اليوم من دار السفارة، عبر تكليف غير معلن أو مُعلن بخجل فظ،
وضع الزعامة السنية تحت وصاية من كان يُعتبر خصماً لها: سمير جعجع.
تسليم الملف "السني" إلى شخصية مغضوب عليها "حريرياً"، ليس مجرد خطأ في الحسابات، بل إهانة لوجدان الطائفة ومصالحها، 
ويضع السنّة السياسية في موقع التابع لا الشريك، في وقت تتهاوى فيه الدولة تحت ضغط الهيمنة الأميركية، 
والكيان الصهيوني، 
وقوى الرجعية العربية، التي لا ترى في لبنان سوى ساحة صراع ونهب وتصفية لما تبقى من مرتكزات وطنية. 
*في مهبّ الريح... أم في فم الذئب؟* 
في ظل غياب القيادة وانكفاء الدعم، تتحوّل الطائفة السنية إلى لقمة سائغة لقوى الإرهاب والتطرف، التي تنشط عادة في بيئات الفوضى والتهميش. 
وقد أظهر التاريخ القريب كيف تحوّلت بعض المناطق السنية إلى ساحات صراع،
وكيف استُدرج شباب مهمّشون إلى مربّعات العنف.
النتيجة؟ نسيج وطني متصدّع وقابل للانفجار. فإذا كان السنّة بلا حماية وبلا قيادة، فإنّ "العيش المشترك" سيبقى على حافة الخطر. 
*نحو تصفية المقاومة: السُنّة في قلب الخطة لا على هامشها* 
الفراغ السني ليس عارضاً، بل جزء من خطة لتجريد المقاومة من عمقها الوطني،
لا سيّما في الشارع السني الذي شكّل ـ في مراحل مفصلية ـ غطاءً شعبياً يمنع عزلها.
اليوم، يُصاغ البديل على يد فريقين متكاملين:
فريق رسمي "معتدل" يُنظّر لنزع السلاح خدمة لـ"السيادة".
وفريق تكفيري يُشيطن المقاومة بحجة "الطائفية".
والنتيجة واحدة: نزع الشرعية الوطنية والقومية عن المقاومة، وتقديمها كعبء لا كحماية، تمهيداً لحصارها وضربها. 
*التحكم بالأجيال: جيلٌ بلا وعي... بلا قضية* 
الأخطر أن ما يجري يؤسّس لتحكُّم بعيد المدى بالأجيال المقبلة.
فبتفريغ الساحة السنية من رموزها الوطنية، وإغراقها بخطابات المذهبية والعداء الأعمى، يُنتَج جيل لا يرى في المقاومة إلا تهديداً، ولا في الاحتلال إلا "شأناً بعيداً".
وعندما تتحوّل الزعامة إلى منصّة لتجريم الكفاح،
وتُروّج منصات التطبيع باعتبارها "خلاصاً"، نكون أمام جريمة ثقافية وتربوية تهدف إلى إعادة برمجة الوعي الشعبي وفق المصالح الإسرائيلية والأميركية، عبر وكلاء رسميين وإعلاميين ودينيين. 
*الطوق السني... حصار للمقاومة* 
الزعامة السنية اليوم ليست فقط غائبة، بل تُستبدل عمداً بقيادات تؤدي دور الطوق السياسي حول المقاومة، في لبنان وفلسطين. من "الاعتدال" في بيروت، إلى "السلطة" في الضفة، 
إلى محور التطبيع في الخليج، يُراد للطائفة السنية أن تكون جسراً لعبور مشاريع التصفية. 
*خاتمة: المشروع الوطني القومي هو الطريق* 
لكن هذا الانحدار ليس قدَراً. فالطائفة السنية، التي كانت يوماً عصب النهوض الوطني والقومي،
قادرة على استعادة دورها، لا عبر زعامة مذهبية جديدة، بل بالانخراط في مشروع وطني وقومي جامع،
يتجاوز الاصطفافات الطائفية، ويقوم على فكرة الوطن الواحد، والأمة الواحدة، والانتماء الإنساني الأممي.
غير أن هذا المشروع، رغم ضرورته، لا يزال غائباً، أو مُغيّباً. 
ولذلك فإن القوى الوطنية والقومية، وكل قوى المقاومة بكل توجهاتها، مدعوّة اليوم لتحمّل مسؤولياتها التاريخية، عبر بناء جبهة مقاومة عربية شاملة،
تقف في وجه مشاريع التفتتيت، والصراعات المذهبية والطائفية، والاحتلال، والتبعية، وتؤسّس لوحدة الفعل السياسي المقاوم، واستنهاض الشعوب، وإعادة الاعتبار لفكرة التحرر العربي الشامل.
إنه الخيار الوحيد لإنقاذ ما تبقى، وبناء ما يجب أن يكون.

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة